كلمة الرَّاقي الشَّرعي أبو أُسَيْد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، أحمده سبحانه على فضله ومنه حمداً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، حمداً يوافي نعمه، وأشهد أن لا إله إلا الله والحمد لله الذي أغنى عباده عمَّن سواه، لا دافعَ لما قدَّر ولا رادَّ لما قضاه، سبحانه خلق كلَّ شيءٍ فسوَّاه، وقدَّر كلَّ خلقٍ ثم هداه، أحمده سبحانه سبَّب الأسباب وأمر بدُعاه، وجعل التضرُّع إليه محجَّةً لرضاه، يجيب المضطرَّ إذا دعاه، ويكشف السوء، ويعافي برحمته عبدًا ابتلاه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وخِيرتُه مِن خَلْقِه ومصطفاه الرحمة المهداة ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه.
ثم أما بعد:
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كلّ أُمَّةٍ رَسُولا أنّ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كان عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾(النحل 36). إنّ في هذه الآية الكريمة تعظيما وتأكيدا على أهمّية التّوحيد باعتباره الغاية من خلق الإنسان، وقد بعث الله الرسل جميعا للدّعوة إلى توحيد الله سبحانه والنّهي عن الشرك. ولقد انتشرّ -وللأسف في مجتمعاتنا- وقوع النّاس في الشّركيات وبغير علم أحيانا، وذلك باللّجوء إلى السّحرة والمشعوذين بحثا عن حلول لمشاكلهم، ولعلّ أكبر فئة تقع في هذا الأمر هم المصابون بأمراض العين والسّحر والمسّ و الحسد، لظنّهم أنّ الشّفاء بيد هؤلاء المشعوذين الّذي يدّعون التّقوى والصّلاح، فيغترّ بهم المصاب اليائس الّذي ضاق صبره وطال به البحث عن الشّفاء. وإنّ غياب التّوجيه الصّحيح هو ما يدفع المصاب إلى اللّجوء إلى أيّ شخص يدّعي القدرة على العلاج، إلى جانب حالة الحيرة واليأس والضّياع الّتي يشعر بها المصاب بعد أن عجز الأطباء عن تشخيص دائه وتحديد دوائه. وابتعد كثير من النّاس عن التّداوي بكتاب الله وسنة نبيّه ظنّا منهم أنّ العلاج بهما هو كرامة من الله لبعض عباده الصّالحين دون غيرهم، ممّا أوقعهم في التّعلّق بالمعالج دون الرّازق الحقيقي للشّفاء. والحقيقة أنّ العلاج بالرّقية ليس من الكرامات أو من صلاح الرّاقي ولكنّه علم يُكتسب وأسباب ينزل الله بها من الرّزق والشّفاء على المريض. وإنّ في العلاج بكتاب الله من الآيات والذّكر ما ينزل على الدّاء فيزهقه وعلى قلب العبد فيطهّره وعلى عدوّه فيدحره، وأنّه من خير ما يتزوّد به العبد في دنياه لأخراه.
فالأصل في العلاج الشّرعي يتمثل في ربط المريض بربّه، فيذكّره ولا ينساه ويدعوه ولا يجفوه ويحمده ولا يكفره ويتوكّل عليه وحده، فلا أقرب له من ربّه ولا أنفع له من قربه، إذ الشّفاء رزق من الله للمريض قدّره له بحسب أخذه من الأسباب المشروعة، كالتّداوي بالرّقية الشرعيّة الّتي هي علم ومنهج وتطبيق، ولا بدّ للراقي الذي يريد أن يبلغ كمال النفع للمريض أن يجمع من العلم ما يساعده على ذلك ليسلك أقرب سبل الشّفاء، والاكتفاء بما صّح في الكتاب والسنة النبوية وما صح من الرقى المشروعة وهي من الأمور التي على كل عبد متوكل على الله أن يتعلمها وأن يعمل بها وينفع بها نفسه وأهله، فهي غير مقتصرة على أناس دون غيرهم ولكنه علم يكتسب يجوز استعمالها من كل قارئ يحسن القرآن ويفهم معناه ويكون حسن المعتقد صحيح العمل مستقيما في سلوكه، ولا يشترط إحاطته بالفروع ولا دراسته للفنون العلمية الا من أراد الاختصاص في الرقية.
إنّ ما يشهده العالم من تطور في ميدان الطبّ جعل الكثير من النّاس يظنّون أنّهم يمكنهم الاستغناء عن المعالج بالرقية الشرعية وأنّ دوره أصبح غير ضروري، وهذا خلط منهم بين وظيفة الطبيب ووظيفة المعالج، والواقع أن لكل واحد منهم اختصاصه. وتبرز أهميّة دور المعالج بالرقية الشرعية في التخفيف على المصابين بالأمراض الشّيطانيّة التي ليس لها في الطبّ الحديث دواء، فكم من أرحام قطعت وكم من أسر فرقت وبعثرت، فهذه الأمراض لا يعلم كربها وضنكها على المريض وأهله إلا الله سبحانه، ومع كثرة أصحاب النّفوس المعرضة عن ذكر الله وانتشار المنكر وقلة الأمر بالمعروف أصبحت النّاس في أشدّ الحاجة إلى المعالجين بالرقية الشرعية.
إنّ عمل المعالج بالرقية الشرعية هو سبيل لكسب الحسنات وفعل الخيرات والاستكثار من الأعمال الصالحات، وذلك بدفع الضرّ عن المضرورين ونصرة المظلومين وتفريج كرب المكروبين وإدخال البهجة والفرحة لعائلات المبتلين بالأمراض الروحية، وإن المعالج بعمله هذا مجاهد في سبيل الله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( فهذا من أفضل الأعمال، وهو من أعمال الأنبياء والصالحين، فإنّه ما زال الأنبياء والصالحون يدفعون الشّياطين عن بني آدم بما أمر الله به ورسوله، كما كان المسيح يفعل ذلك، وكما كان نبينا يفعل ذلك)(مجموع الفتاوى).
لذلك استعنت بالله عزّ وجلّ في تجهيز موقع رقية سؤال و جواب الذي آمل أن يكون دليلا للمرضى أمهد فيه الطريق للذين سيتعالجون بالرقية الشرعية حتّى يكون المريض آمنا من الفتن والمحظورات التي يمكن أن يتفاداها لو أحاط بها علما مسبقا وأن يتدارك النقائص بحسن الاستعداد والتدبير للعلاج فيقبل على علاجه على بصيرة ويتجنب الاندفاع في العلاج دون أن يكون عنده علم في الرقية الشرعية فيصبح كالذي يقذف نفسه في البحر وهو لم يقف على حقيقة إمكانياته في السباحة، أو لم يخطر بباله سبل النجاة بنفسه.
ونحيط علما” بأن هذا الموقع لا يغني عن العلاج بالرقية الشرعية عند راقي شرعي متمكن يتقي الله تعالى من أهل الاختصاص الثّقات، ممّا يساعد المرضى على فهم حالاتهم وكيفية العلاج الشرعي الذي يحبه الله ويرضاه لعباده والطريقة الأمثل للوقاية من هذه الأمراض الشّيطانيّة وللتغلب عليها.
و موقع رقية سؤال و جواب وحده لا يكفي للعلاج على بصيرة من أمرهم، فكثيرا ما نسمع عن تزايد عدد المرضى الذين يريدون أن يرقون أنفسهم ثم سرعان ما تذهب هذه الهمم وتتبدّد إلى مشاكل لهم ( الا أن يشاء الله تعالى لهم الشفاء). ولهذا لابد على المقبل على العلاج من تمحيص قدراته و هل يستطيع أن يرقي نفسه بنفسه أم لا و حسب حالته المرضية، فمن غير المعقول أن يحمّل العبد نفسه ما لا تطيقه أو يقبل على عمل حظوظه في النّجاح ضعيفة، ولا يكلف الله نفسا ألا وسعها.
فعزمت بحول الله وقوته – ولمّا رأيت أن الموضوع لم يُعطَ حقه من البيانبشكل سها و مبسط للمريض و من مصادر موثوقة أن أجمع علوم الرقية الشرعية في موقع الكتروني يسهل الوصول اليه من قبل المرضى، حيث عرضت أسئلتهم على العلماء و الرقاة الثقات للإجابة عنها وهو موقع جامع لكل ما يحتاجه المريض المحتسب الصادق بالعلاج بالرقية شرعية وقد اعتمدت فيه على التالي:
- سيجد المريض أن عددًا من المسائل يعول في جوابها على ما جرت به العادة، وحصل به النفع والسعادة، بما لا يتعارض مع حكم شرعي أو قاعدة عامة سيما وأن هذه المسائل كانت مشتتة في كتب ورسائل عدة، وأن جلها ظل كامنًا زمنًا في نفوس أصحابها لم يجد إلى البيان سبيلًا، إما حرجًا في النفوس أو خجلًا من السؤال.ولا يفوتني – في هذا المقام – تذكيري أخي المريض و أختي المريضة أن يجعل في حُسبانه أولاً وآخرًا عظيمَ التوكل على الله تعالى، وحسنَ الظنِّ به سبحانه، وأن يتحلَّى بالتقوى، ويتجمَّل بالصبر، فإن تقوى الله تعالى هي العروة الوثقى التي لا تنفصم، والبنيان الراسخ الذي لا ينهدم، وهي السبب الأعظم في تحقيق الشفاء. أخي المريض و أختي المريضة أوصيك وأياي بأن تتق الله تعالى،
- قد باتت الحاجة ماسة إلى توسيع دائرة الانتفاع والعلاج بالرقى الشرعية؛ لما ثبت لها من أثر جلي في شفاء كثير من الأمراض النفسية وغيرها، تلك التي استعصت على الطب الحديث: كالصرع، والمس، والحسد والعين، والسحر. ولذا فإني أرى من المناسب أن أؤكد على أن المريض مراجعة مراكز الرقية الشرعية للرقاة الثقات والعلاج بالقرآن وما يتعلق به من الأدوية النبوية، وبذا نحقق المصالح من الرقى وتدرأ المفاسد المتسترة بها ويعمم هذا على سائر المناطق والمدن.
- أن يكون من كتاب الله تعالى وما صح من سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
- موافقة جميع الأدعية المذكورة والاعمال والنصائح والارشادات للشريعة الإسلامية ونبذ ما لم يصح منها مع التنويه لذلك مع ذكر الدليل أو التعليل.
- موافقة جميع العلاجات والبرامج العلاجية والأعشاب للشريعة الإسلامية ونبذ ما لم يصح منها مع التنويه لذلك مع ذكر الدليل أو التعليل.
- جمع فيه ما تناثر من فتاوى كبار العلماء والرقاة الثقات والفضلاء من المعالجين إضافة كثير من الأسئلة والاستفسارات المستجدة لدى كثير ممن يرقون بالرقى الشرعية من المشهود لهم بالتقى والصلاح.
- وربما يرى المريض أو يسمع أجوبة تخالف ما وردت به الإجابة على بعض هذه المسائل، وحينئذٍ أوصيه بالتريث والرفق، وأحذره من ضرب الفتاوى وكلام العلماء بعضه ببعض؛ فالأمر اجتهاد، والعصمة للأنبياء فيما يبلِّغون عن الله، وأحوال المستفتين متباينة.. وربما يكون الأمر واسعًا والخلاف فيه سائغًا، فلا يُثَرِّب أحد على أحد.
وأسأله سبحانه أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ينتفع به النّاس وينفس عنهم كربّهم، وأسأله أن يجازي كل من ساهم فيه خيرا، هذا وما كان فيه من توفيق فمن الله وحده، وما كان فيه من خطا فمنّي ومن الشّيطان. ويجب التنبيه في الأخير إلى أنّ كلّ ما ستجدونه في الكتاب موافق للكتاب والسنّة فخذوه وكلّ ما خالفهما فاتركوه وتواصلوا معنا من اجل تصحيحه.
وختامًا أسأل الله أن يمنّ على مرضى المسلمين بالشفاء العاجل، ويثب الرقاة الصادقين المخلصين الثابتين في التصدي لإبليس و اعوانه من الشياطين وأن يهدينا واياكم إلى سواء السبيل وأن ينفعني ووالديَّ وأمَّةَ سيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بهذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


